
لم يعد القسط الجامعي وحده ما يثقل كاهل الطلاب في لبنان. فقبل الوصول إلى قاعات الدراسة، تستنزف المواصلات والسكن والطعام جزءاً كبيراً من مداخيلهم، فيما تفرض الأقساط المسعّرة بالدولار على كثيرين منهم الجمع بين الدراسة والعمل. بعضهم يخفّض عدد المواد التي يسجّلها ليتمكّن من العمل، وآخرون يتنقّلون بين وظيفتين، فيما يتحمّل بعض الطلاب نفقات تعليمهم وإعالة عائلاتهم في الوقت نفسه. هكذا، لم يعد التحدّي مقتصراً على تأمين القسط، بل بات يشمل القدرة على الاستمرار في الدراسة من دون أن تبتلع متطلّبات المعيشة الوقت والمال اللازمين لها.
نصف الراتب للمواصلات… ومواد دراسية أقلّ
في جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL) في بيروت، يدفع حسن نحو 1200 دولار سنوياً أقساطاً جامعية، وتختلف قيمتها بحسب عدد المواد المسجّلة. يعمل حسن لقاء راتب شهري يبلغ 400 دولار، يخصّص جزءاً منه لتغطية نحو 30% من القسط السنوي، فيما تتحمّل عائلته النسبة المتبقّية، البالغة 70%.
لكنّ القسط ليس العبء الوحيد. فالمواصلات وحدها تكلّفه ما بين 180 و200 دولار شهرياً، أي نحو نصف راتبه، ما يدفعه إلى تقليص نفقات الطعام بالاعتماد على وجبات المنزل. ولا تنعكس هذه الأعباء على مصروفه فحسب، بل على مساره الدراسي أيضاً، إذ اضطر إلى خفض عدد المواد المسجّلة في الفصل من أربع إلى مادتين، ليتمكّن من العمل ليلاً. بالنسبة إلى حسن، لا تعني زيادة ساعات العمل دخلاً إضافياً فقط، بل وقتاً أقلّ للدراسة وتقدّماً أبطأ في إنجاز المواد الجامعية.
ولا تختلف المعادلة كثيراً بالنسبة إلى رنا، الطالبة في الجامعة اللبنانية – الفرع الأول، على الرغم من الفارق الكبير في قيمة الأقساط بين التعليم الرسمي والخاص. فقسطها السنوي يبلغ نحو 13.5 مليون ليرة، أي ما يعادل 150 دولاراً، لكنّ نفقات السكن الجامعي والمواصلات والطعام تتجاوز مجتمعةً 300 دولار شهرياً، أي أكثر من ضعف القسط السنوي خلال شهر واحد.
تعمل رنا بنظام القطعة، بدخل غير ثابت يتراوح بين 100 و150 دولاراً شهرياً، وتعتمد على عائلتها لتغطية معظم نفقات السكن والمصروف الشخصي. ويزيد عدم انتظام الدوام في الجامعة اللبنانية صعوبة وضعها، إذ يحول دون التزامها بوظيفة ثابتة بدوام كامل، ما يحدّ من قدرتها على تأمين دخل منتظم.
وتُظهر حالتها أن انخفاض القسط في الجامعة الرسمية لا يعني بالضرورة انخفاض الكلفة الفعلية للتعليم، حين تتجاوز المصاريف المعيشية قدرة الطالب على تغطيتها.
وظيفتان لتأمين نصف الكلفة
في جامعة القديس يوسف (USJ) في بيروت، تصل كلفة القسط السنوي لمارك إلى نحو 4500 دولار، بعد احتساب المنحة الجزئية التي يحصل عليها. ولتأمين نصف كلفة القسط والمصاريف، يعمل في وظيفتين، إحداهما نهارية والأخرى ليلاً في توصيل الطلبات، فيما تتحمّل عائلته النصف المتبقّي.
وإلى جانب القسط، ينفق مارك نحو 350 دولاراً شهرياً على البنزين والوجبات اليومية وحدها. وهكذا، يتحوّل العمل من وسيلة للمساعدة في تمويل الدراسة إلى التزام يومي يمتدّ إلى ساعات الليل، ويزاحم الوقت المخصّص للتحصيل الجامعي.
أما فاطمة، الطالبة في جامعة فينيسيا، فتتحمّل كلفة دراستها بالكامل، من دون أي مساعدة مالية من عائلتها. يبلغ قسطها السنوي نحو 2000 دولار، وتعمل سكرتيرة براتب شهري قدره 550 دولاراً، تخصّص منه 150 دولاراً للمواصلات، فيما يذهب المبلغ المتبقّي إلى تسديد دفعات القسط، من دون أن يبقى لها ما يكفي لتغطية مصروف شخصي. وعلى الرغم من أن راتبها أعلى من رواتب بعض الطلاب العاملين، فإنّ التزاماتها تستنزفه، ما يجعل قدرتها على تغطية أي نفقات إضافية محدودة.
طالب يعيل عائلته ويدفع قسطه
تأخذ الأعباء منحى مختلفاً مع علي، الطالب في الجامعة الإسلامية، الذي لا يكتفي بتمويل دراسته، بل يساهم أيضاً في إعالة عائلته. يبلغ قسطه الجامعي 2500 دولار سنوياً، فيما يتقاضى راتباً شهرياً قدره 500 دولار من وظيفة دائمة، من دون أن يتلقّى أي مساعدة مالية من أهله.
من هذا الراتب، يخصّص علي نحو 150 دولاراً شهرياً لدعم عائلته وإخوته، و190 دولاراً للمواصلات بين الجامعة والعمل، إضافة إلى 100 دولار حصّته من إيجار شقة يتقاسمها مع زملائه لتخفيف كلفة السكن.
وبذلك، تستحوذ هذه الالتزامات الثلاثة وحدها على 440 دولاراً من راتبه، فلا يتبقّى له سوى 60 دولاراً شهرياً قبل احتساب دفعات القسط الجامعي وأي احتياجات إضافية.
وتكشف هذه الأرقام ضيق الهامش المالي المتاح لعلي، الذي يجد نفسه مطالباً بالتوفيق بين التزاماته الجامعية ونفقات معيشته ومسؤوليته تجاه عائلته، في وقت لا يكفي فيه دخله الشهري لتغطية جميع هذه الأعباء بسهولة.
منح وتسهيلات… لكن الأعباء مستمرّة
في مقابل هذه الضغوط، تحاول بعض الجامعات تخفيف الأعباء المالية عن طلابها عبر برامج المنح والمساعدات والتقسيط. وتوضح إدارة مكتب المساعدات المالية في إحدى الجامعات الخاصة أن ما بين 30% و40% من الطلاب المسجّلين فيها يستفيدون من برامج المساعدات المالية والمنح الاجتماعية والتعليمية.
وتستند دراسة طلبات المساعدة الاجتماعية (Financial Aid) إلى الوضع الاقتصادي لأسرة الطالب، بما يشمل مجموع دخل العائلة، وعدد الأبناء الذين يتابعون تعليمهم المدرسي أو الجامعي، إضافة إلى الظروف الصحية أو الاستثنائية التي قد تؤثّر في قدرتها على تسديد الأقساط.
وتتيح الجامعة أيضاً تقسيط المبالغ المتبقّية على دفعات شهرية خلال الفصل الدراسي، مع إمكانية تأجيل بعضها عند ثبوت التعثّر المالي، من دون إلغاء تسجيل الطالب أو حرمانه من التقدّم للامتحانات.
غير أنّ هذه التسهيلات، على أهميتها، تعالج جانباً من الكلفة المرتبطة بالأقساط، فيما تبقى نفقات المواصلات والسكن والطعام التزامات شهرية لا يمكن تأجيلها بالسهولة نفسها.
كلفة التعليم تتجاوز القسط
تختلف الأقساط بين جامعة وأخرى، كما تتفاوت قدرة العائلات على المساعدة، لكنّ الشهادات الخمس تكشف قاسماً مشتركاً: العمل لم يعد خياراً لتحسين الدخل لدى هؤلاء الطلاب، بل وسيلة أساسية للاستمرار في التعليم.
ففي حين يضطر حسن إلى تقليص عدد مواده الجامعية ليتناسب دوامه الدراسي مع عمله الليلي، تجد رنا نفسها أمام مصاريف معيشية تتجاوز بأضعاف قيمة قسطها السنوي. ويعمل مارك في وظيفتين لتأمين جزء من كلفة دراسته، بينما تذهب مداخيل فاطمة إلى الأقساط والمواصلات، ويتوزّع راتب علي بين الجامعة والسكن والتنقّل وإعالة عائلته.



